القرطبي
33
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ولا يقصر دونه إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا . وقال الحسن : إنهما لا يجتمعان في السماء ليلة الهلال خاصة . أي لا تبقى الشمس حتى يطلع القمر ، ولكن إذا غربت الشمس طلع القمر . يحيى بن سلام : لا تدرك الشمس القمر ليلة ا لبدر خاصة لأنه يبادر بالمغيب قبل طلوعها . وقيل : معناه إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر في منازل لا يشتركان فيها ، قاله ابن عباس أيضا . وقيل : القمر في السماء الدنيا والشمس في السماء الرابعة فهي لا تدركه ، ذكره النحاس والمهدوي . قال النحاس : وأحسن ما قيل في معناها وأبينه مما لا يدفع أن سير القمر سير سريع والشمس لا تدركه في السير ذكره المهدوي أيضا . فأما قول سبحانه : " وجمع الشمس والقمر " [ القيامة : 9 ] فذلك حين حبس الشمس عن الطلوع على ما تقدم بيانه في آخر " الأنعام " ( 1 ) ويأتي في سورة " القيامة " أيضا . وجمعهما علامة لانقضاء الدنيا وقيام الساعة . " وكل " يعنى من الشمس والقمر والنجوم " في فلك يسبحون " أي يجرون . وقيل : يدورون . ولم يقل تسبح ، لأنه وصفها بفعل من يعقل . وقال الحسن : الشمس والقمر والنجوم في فلك بين السماء والأرض غير ملصقة ، ولو كانت ملصقة ما جرت ، ذكره الثعلبي والماوردي . واستدل بعضهم بقول تعالى : " ولا الليل سابق النهار " على أن النهار مخلوق قبل الليل ، وأن الليل لم يسبقه بخلق . وقيل : كل واحد منهما يجئ وقته ولا يسبق صاحبه إلى أن يجمع بين الشمس والقمر يوم القيامة ، كما قال : " وجمع الشمس والقمر " وإنما هذا التعاقب الآن لتتم مصالح العباد " لتعلموا عدد السنين والحساب " [ يونس : 5 ] ويكون الليل للإجمام والاستراحة ، والنهار للتصرف ، كما قال تعالى : " ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله " [ القصص : 73 ] وقال : " وجعلنا نومكم سباتا " أي راحة لأبدانكم من عمل النهار . فقوله : " ولا الليل سابق النهار " أي غالب النهار ، يقال : سبق فلان فلانا أي غلبه . وذكر المبرد قال : سمعت عمارة يقرأ : " ولا الليل سابق النهار " فقلت ما هذا ؟ قال : أردت سابق النهار فحذفت التنوين ، لأنه أخف . قال النحاس : يجوز أن يكون " النهار " منصوبا بغير تنوين ويكون التنوين حذف لالتقاء الساكنين .
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 146 طبعة أو ثانية .